الشيخ محمد رشيد رضا
500
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وعقله الباطن على لسانه باسهاب واطناب فكان ذلك مصنفا مستقلا مستنبطا من جملة القرآن وعلومه وتأثيره في العالم ، فنشير إلى ما في هذه السورة منه بالايجاز ( 2 ) في الآية الخامسة عشرة منها اقتراح المشركين على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يأتي بقرآن غير هذا القرآن أو ان يبدله ، وما أمره اللّه تعالى أن يجيبهم به من عجزه عن تبديله أو الاتيان بغيره ، وكونه لا يملك من أمره فيه الا اتباع ما يوحى اليه من تبليغه والعمل به ، ( ومثله في آخر السورة ) ( 3 و 4 ) في الآية السادسة عشرة انه صلّى اللّه عليه وسلّم ما بلغهم هذا القرآن إلا بمشيئة اللّه تعالى وتسخيره ، فلو شاء تعالى ان لا يتلوه عليهم لما تلاه ، ولو شاء تعالى ان لا يدريهم ولا يعلمهم به لما أدراهم ، فهو الذي أقرأه بعدان لم يكن قارئا ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ . . . سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ) وهو الذي علمه وجعله معلما ( وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ * ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا ) الخ ( 5 ) أنه أيد هذا بالحجة العقلية القاطعة ، وهو أنه قد لبث فيهم عمرا طويلا من قبله وهو سن الادراك والصبا فالشباب حتى بلغ أشده واستوى وبلغ أربعين سنة ، لا يقرأ ولا يقرئ ، ولا يتعلم ولا يعلّم ، وقد بينا في تفسيرها ( أي الآية 16 ) انه ثبت عند حكماء التاريخ بالتجارب والاستقراء ان جميع معارف البشر الكسبية واستعدادهم للعلم والعمل ، انما يظهر ان ويبلغان أوج قوتهما من النشأة الأولى إلى منتصف العشر الثالث من العمر ، ولا يكون بعده الا التمحيص والتكميل ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم لم يظهر منه علم ولا بيان ولا عمل إصلاحي عام ديني أو دنيوي إلا بهذا الوحي الذي فوجىء به بعد استكمال الأربعين ويليها في الآية 17 أن أشد الناس ظلما لنفسه من افترى على اللّه كذبا أو كذب بآيات اللّه ، وانه من المجرمين الذين لا يفلحون ، فهل يرتكب هذا الظلم من يعلم هذا ؟ ولماذا يرتكبه ؟ وقد عرف قبحه كبيرا ، بعد ان نشأ على التزام الصدق صغيرا ، واشتهر به وبالوفاء عند المعاشرين ، حتى لقبوه بالأمين ؟ ( 6 ) في الآية الثامنة والثلاثين حكاية عن المشركين ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ )